حسن الأمين

57

مستدركات أعيان الشيعة

وحتى في منفاه « بالربذة » ، وفد عليه « سلمة بن نباتة » فحدثه عن تسابق أصحابه في حيازة الأموال وتنمية الثروات ، وقال له : « إن أصحابك قبلنا أكثر الناس مالا ؟ ! فقال له أبو ذر : » أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولي مثله « ( 1 ) فهو لم يكن زاهدا زهد الإنسان الذي لا يرى لنفسه علاقة بالدنيا ومباهجها ، وإنما كان زاهدا زهد المناضل ضد احتواء هذه المباهج لملكاته وقدراته وتطويعها لمزاياه الثورية التي اكتسبها من قبل ومن بعد بعثة الرسول ع . . والإمام أحمد بن حنبل يروي بمسنده في » كتاب الزهد « الحديث الذي يقول فيه أبو ذر » إني لأقربكم مجلسا من رسول الله ص يوم القيامة ، ذلك أني سمعت رسول الله ص يقول : إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها « ثم يستطرد أبو ذر فيقول : » والله ما منكم أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري « . ( 2 ) فهو إذا نمط من الزهد أقرب إلى المواقف النضالية منه إلى المعنى الشائع الآن عن الزهد والزاهدين . . ولا شك أن هذه الميزة من ميزات أبي ذر ستبرز أكثر وأكثر عندما نعرض لمواقفه النضالية من التحولات التي طرأت على الحياة الإسلامية في عهد عثمان بن عفان . وميزة أخرى للرجل لم يشترك معه فيها أحد من أصحابه ، بشهادة الرسول ع ، وهي « صدق اللهجة » ، التي تعني بلغة عصرنا أن الرجل كان أكثر الألسنة صدقا في التعبير عن الرأي الحر ، وأكثر الناس جرأة في إعلان ما يعتقده حقا دونما مواربة أو مداورة ، وأن لسانه كان أكثر منابر العصر تعبيرا عن الحقائق التي شهدها هذا الصحابي الجليل . أما شهادة الرسول لأبي ذر بهذه الميزة وذلك الامتياز ، فإنها قد جاءت في حديثه الذي يقول فيه ع : « ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر » ( 3 ) وهو حديث رواه أبو الدرداء ، ورواه كذلك بنفس ألفاظه مع تقديم وتأخير عبد الله بن عمر بن الخطاب . . ولقد اشتهر أمر هذا الحديث حتى أصبح من الصفات الشائعة لأبي ذر في كتب الطبقات الخاصة بالصحابة والمحدثين صفة « الصادق اللهجة » ، ( 4 ) وهو وصف لم يطلق على أحد غيره من صحابة رسول الله . . وأهمية هذه الصفة بالذات من بين صفات أبي ذر الغفاري أنها تعطي قيمة أكبر وأهمية أعظم لرأي الرجل وتقييمه للتطورات والأحداث التي دار حولها الخلاف بينه وبين عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ومن ناصرهما من الصحابة ، وهي الأمور التي سيأتي حديثنا عنها بعد قليل . . فالقطع - بصدق لهجة الرجل ، واليقين بأنه أصدق أهل زمانه لهجة ينفي نفيا باتا ما حاول به البعض تجريح الرجل والنيل من إنصافه عندما صوروه أداة لبعض من أسلم من اليهود ، دفعوا به لمناوأة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ، ومن ثم فان هذه الصفة من صفات أبي ذر لا بد وأن تظل حاضرة في ذهن الباحث والدارس والقارىء عند التعرض لأحداث ذلك الصراع الذي قام بينه وبين جهاز الدولة والأغنياء في ذلك الحين . وهذه الصفة التي يتميز بها أبو ذر قد جعلت الرجل أثيرا إلى الرسول ع ، قريبا منه ، تدل على ذلك أحاديث كثيرة مثل ذلك الذي أخرجه الطبراني من أحاديث أبي الدرداء ، قال : « كان رسول الله ص يبتدئ أبا ذر إذا حضر ، ويتفقده إذا غاب » أي أن منزلة الرجل كانت كبيرة لدى الرسول . . بل وأكثر من ذلك . . فنحن نستطيع أن نقول : إن الرسول كان شديد الحرص على أن يجد أبا ذر دائما في المكان المرغوب لصفوة الصحابة وخيرة المسلمين ، ولقد حدث أن انتشر وشاع تخلف الناس عن الخروج للقتال مع الرسول في غزوة « تبوك » ، وأخذ بعض الصحابة ينقلون إلى الرسول أخبار المتخلفين عن الاستعداد للقتال ، فيقولون : يا رسول الله : تخلف فلان . . فيقول لهم : « دعوه . . فان يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه » . . فذهب هذا الحكم معيارا يميز الخارجين إلى القتال عن القاعدين عنه دون عذر مقبول . . وعند ما خرج الجيش المسلم عن المدينة ، لم يكن فيه أبو ذر ، لأن بعيره كان بطيء السير ، وتفقد الرسول أبا ذر فلم يجده ، فاخذ يتمنى على الله أن يكون أبو ذر في القادمين ، حرصا منه على الرجل ومكانته في الإسلام وبين المسلمين وفي نفس الرسول . . وفي نفس هذه اللحظات كان أبو ذر - وقد استبطأ بعيره - قد أخذ متاعه على ظهره ، وتبع جيش الرسول مشيا على الاقدام . . « فنظر ناظر من المسلمين ، فقال : إن هذا الرجل يمشي على الطريق ، فقال رسول الله ص : » كن أبا ذر « ؟ ! ! ويكمل ابن مسعود رواية الحديث فيقول : » فلما تأملت القوم ، قالوا : يا رسول الله هو والله أبو ذر ؟ ! ففرح رسول الله فرحا شديدا بتحقيق أمنيته في أن يكون أبو ذر في مكانه الطبيعي بين الذين جعل الله فيهم خيرا فالحقهم بجيش الذاهبين للقتال في « تبوك » وقال : « يرحم الله أبا ذر ، يعيش وحده ويموت وحده . . ويحشر وحده » ؟ ( 5 ) ! . تحولات عهد عثمان حتى نفهم موقف أبي ذر من التحولات التي طرأت على الحياة الإسلامية أخريات حياته ، لا بد أن نعرض لهذه التحولات ، وحتى نحكم للرجل أو عليه لا بد من تقديم لمحة تجسد لنا ما حدث في الميدان الاجتماعي منذ ولي الخلافة عثمان بن عفان ، فذلك هو السبيل الطبيعي للتقييم الأدق الذي ننشده ، وللتمييز بين وجهتي النظر المتعارضتين للمؤرخين القدامى الذين عرضوا لموقف هذا الصحابي الجليل من هذه التحولات . . وبادئ ذي بدء فنحن مع الذين يرون أنه قد حدثت بالفعل تحولات اجتماعية في الحياة الإسلامية على عهد عثمان ، لم تكن موجودة في عهد البعثة ولا في زمن أبي بكر وخليفته عمر بن خطاب . . ففي عهد الرسول ، لم تكن الفتوحات الإسلامية الكبرى قد حدثت بعد ، ومن ثم فان ثروة المجتمع لم تكن ذات وزن كبير ، حتى أن الدولة العربية الإسلامية التي قامت يومئذ لم تعرف نظاما مستقرا ومقننا لماليتها من حيث الضبط والتنظيم للواردات والمصروفات . . وعند ما لقي الرسول ربه خلف دينا عليه هو عبارة عن قرض اقترضه لقضاء حاجات أهله المعاشية . . ولم يختلف الحال كثيرا في عهد أبي بكر . . لا من حيث الحدود التي امتد إليها الفتح العربي ، تقريبا ، ولا من حيث ثروة الدولة ، بل لقد تأثرت بالانقسامات التي حدثت على سلطة أبي بكر القائمة في « المدينة » ، واستنفدت منها الحروب ، التي سميت « بحروب الردة » ، قدرا كبيرا من الجهد والنفقات ، حتى أن بيت مال المسلمين - ( خزانة الدولة ) - عند وفاة أبي بكر ، لم يكن بها سوى دينار واحد قد سقط وتخلف بطريق الخطا والنسيان ؟ ! . . وفي عهد عمر بن الخطاب امتدت فتوحات الدولة حتى شملت المجتمعات الغنية الثلاثة التي كانت أهم مصادر للثروة في الإمبراطورية

--> ( 1 ) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 67 . ( 2 ) الإصابة ج 4 ، ص 65 . ( 3 ) الاستيعاب ج 4 ، ص 64 ح 65 والإصابة ج 4 ، ص 65 . ( 4 ) الإصابة ج 4 ، ص 63 . ( 5 ) المصدر السابق ج 4 ، ص 65